سياسية

تقرير: غارة السليمانية بين الغضب من ’الاتحاد’ واستهداف قائد ’قسد’

تصاعدت “المواجهة” بين تركيا وحزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” في إقليم كردستان العراق. فبعد عدة أيام من إعلان وزارة الخارجية التركية حظر مختلف رحلات الطيران الذاهبة أو الآتية من مطار السليمانية الدولي، حيث تعتبر المدينة المعقل الأساسي لنفوذ “الاتحاد”، الذي تتهمه تركيا بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني “المناهض لتركيا”؛ تعرض المطار لهجوم بطائرات مسيّرة تركية في باحاته الخارجية ليلة أمس، قالت أنباء متطابقة إنه كان يستهدف قائد “قوات سوريا الديموقراطية” مظلوم عبدي.

بين النفي والتأكيد

ونفت “قسد” أن يكون قائدها هو المستهدف في هذه العملية، ذاكرة في بيان رسمي أن “الأنباء التي تدّعي استهداف القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي في مدينة السليمانية عارية عن الصحة. إن الهدف من نشر هكذا أخبار هدفه الابتزاز السياسي ضد بعض القوى في إقليم كردستان العراق”.

ولاحقاً دان عبدي الهجوم، عازياً إياه إلى “المواقف الوطنية” لـ”الاتحاد الوطني”. وقال في تغريدة: “ندين بشدة استهداف مطار السليمانية من قبل تركيا”، مضيفاً أن “هذه الانتهاكات مستمرة في العراق وسوريا ولها أبعاد خطيرة ضد المنطقة برمتها”.

واعتبر قائد “قسد” أن مساندة “الاتحاد” لـ”أشقائه في سوريا” تزعج تركيا، مؤكداً على الاستمرار في “علاقاتنا المبدئية مع أشقائنا وحلفائنا في السليمانية وإننا في صف واحد ضد هذه الانتهاكات”.

وتعليقاً على الحادثة قالت القيادة المركزية الأميركية في بيان، إن ثلاثة أميركيين كانوا في الموكب المُستهدف في السليمانية ولم يصب أحد بجروح، ولم ينسب البيان القصف لتركيا. وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن الهجوم استهدف قائد “قوات سوريا الديموقراطية” وأن ثلاثة عسكريين أميركيين كانوا برفقته، ولم يصب أيّ منهم بأذى.

سجال كردي

لكن حادثة الاستهداف العسكري، وما سبقها من قرار تركيا بتعليق الرحلات الجوية إلى مطار السليمانية تسبب باستقطاب سياسي حاد ضمن إقليم كردستان. إذ قال المتحدث باسم حكومة الإقليم جوتيار عادل في بيان رسمي “إن استهداف مطار السليمانية الدولي، يأتي نتيجة احتلال المؤسسات الحكومية، واستخدامها في أنشطة غير قانونية. أدى سلوك السلطة الحزبية المفروضة في حدود السليمانية، إلى تعليق تركيا رحلاتها الجوية إلى مطار السليمانية الدولي، ومن ثم استهدافه”.

قوباد طالباني، نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، والقيادي في “الاتحاد الوطني الكردستاني”، رد على بيان المتحدث باسم حكومة الإقليم قائلاً: “جوتيار عادل ليس المتحدث باسم حكومة اقليم كردستان ويمثل فقط حزباً في الحكومة”، معتبراً استهداف مطار مدني في إقليم كردستان “تصعيداً خطيراً ويستهدف كل العراق”.

ودان بيان لرئاسة الجمهورية العراقية، اليوم السبت، تركيا بشكل مباشر، وورد فيه: “إذ ندين هذه الاعتداءات السافرة على العراق وسيادته، فإننا نؤكد عدم وجود مبرر قانوني يخول القوات التركية الاستمرار على نهجها في ترويع المدنيين الآمنين بذريعة وجود قوات مناوئة لها على الأراضي العراقية”.

القرار التركي

قبل حادثة الاستهداف بثلاثة أيام، كانت وزارة الخارجية التركية أعلنت تعليق كل الرحلات الجوية إلى مطار السليمانية، وإغلاق المجال الجوي التركي أمام مختلف الرحلات الجوية الآتية منه أو المغادرة إليه، من أي جهة كانت، الأمر الذي اعتبره مراقبون بمثابة تصعيد سياسي واقتصادي و”عقابي”، تتخذه تركيا تجاه “الاتحاد الوطني الكردستاني”.

الإجراء التركي الراهن مختلف نوعياً عن قرارات إلغاء الرحلات الجوية إلى مطار السليمانية، والذي كان يقتصر على إلغاء الرحلات من الأراضي التركية، وفقط للخطوط الجوية التركية. إلا أن الحظر هذه المرة يطاول مختلف الخطوط الجوية وكامل المجال الجوي.

وزارة الخارجية التركية قالت في بيان رسمي: “إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات التي ستستخدم مطار السليمانية الدولي جاء في إطار تكثيف أنشطة (التنظيم الإرهابي) في السليمانية وتغلغله في المطار، وبالتالي تهديد أمن الطيران”، قاصدة حزب العمال الكردستاني PKK، مضيفة: “القرار المتوقع أن يكون ساري المفعول حتى 3 تموز (يوليو) 2023 في المرحلة الأولى، ستتم مراجعته مرة أخرى في ضوء التطورات التي سنراقبها عن كثب حتى التاريخ المذكور”.

أسباب الغضب التركي

مراقبون رصدوا ثلاثة تطورات سياسية/ميدانية اتخذها “الاتحاد الوطني الكردستاني”، أدت مجتمعة إلى زيادة “نقمة” تركيا على الحزب والمؤسسات المدنية والاقتصادية العاملة في مناطق نفوذه.

-قام رئيس الاتحاد بافل طالباني بزيارة مفاجئة لشمال شرقي سوريا في أواخر العام المنصرم، وبمرافقة قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ماثيو مكفارلين، التقى خلالها مظلوم عبدي، ورئيس “حزب الاتحاد الديموقراطي” (الكردي) صالح مسلم، وهذان التنظيمان تعتبرهما تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتخوض حرباً ضدهما.

-حادثة سقوط طائرتين مروحيتين عسكريتين في محافظة دهوك في إقليم كردستان في أواسط شهر آذار (مارس) المنصرم، والتي تبين في ما بعد أنها كانت تضم قيادات عسكرية من “قسد”، وتتجه من مناطق شمال شرقي سوريا إلى محافظة السليمانية في إقليم كردستان، الأمر الذي اعتبرته تركيا بمثابة إعلان عن تعاون عسكري بين الطرفين، في مواجهتها.

-الأمر الثالث كان في خطاب التهنئة المتلفز الذي وجهه بافل طالباني إلى المتجمهرين في احتفالية “عيد النوروز” (21 آذار/مارس) في مدينة دياربكر، ذات الأغلبية الكردية جنوب شرقي تركيا. ذلك الخطاب الذي اعتبره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” مناهضاً لهما، لأنه أتى في وقت صار حزب “الشعوب الديموقراطي” HDP “الكردي في تركيا” أقرب الى قوى المعارضة التركية، وقبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأكثر حساسية في البلاد.

الإجراءات المطلوبة

الكاتب والباحث ناظم كويستاني شرح التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية التي من الممكن أن تحدث في الأسابيع المقبلة جراء هذا الإجراء، وقال: “في المحصلة، السليمانية ليست كياناً منفصماً بذاته، بل هي جزء من إقليم كردستان والعراق، وتالياً فإن هذا الإجراء التركي يمس هذه الجهات مجتمعة، التي لا يمكنها أن تتجاهل القرار التركي. رد الفعل سيكون على مستويين، واحد تجاه تركيا وإجراءاتها، وآخر تجاه القائمين على مطار السليمانية. فالاتهامات التركية باختراق المطار وتحوله إلى مقر لـ”التنظيمات الإرهابية” من واجبات إقليم كردستان والعراق. فهذه الجهات مجبرة على رد الاتهام التركي، لأنها اتهامات تتعلق بمنطقة خاضعة في المحصلة لسيادتها”.

وأضاف كويستاني: “تركيا نفسها تعرف أن ترك الأمور على هذا المنوال، من دون تنسيق وتفاوض مع حكومة إقليم كردستان ونظيرتها العراقية المركزية، قد يدفع الأحوال إلى ما هو أكثر مما هي عليه حالياً في ما خص العلاقة بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، كرد فعل وأداة ضغط على تركيا”.

من الجدير بالذكر، أن تركيا تقصف العديد من مناطق محافظة السليمانية بشكل دوري، متهمة عناصر حزب العمال الكردستاني بالانتشار في مناطق المحافظة، بتغطية ومساندة من “الاتحاد الوطني”، الذي تتهمه تركيا بتغطية تلك النشاطات عبر عدد من الجمعيات والمؤسسات المدنية والثقافية والاقتصادية، الأمر الذي يرفضه “الاتحاد”، معتبراً أن عدداً من أكراد تركيا يقيمون في إقليم كردستان بمثابة لاجئين ومقيمين نظاميين، يملكون خيارات سياسية سلمية وينشطون من دون أي ممارسة للعنف أو التحريض عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى